Friday, August 28, 2015

العوامل الدافعة لاستقلال محاسبة البنوك كعلم قائم بذاته - المبحث الأول -

المبحث الأول
أهم التحديات التى تواجه البنوك  فى ظـل العولمة


أولا : تحرير التجارة فى الخدمات المالية

        شهد قطاع الخدمات المالية أهمية متزايدة فى اقتصاديات الدول النامية والمتقدمة على حد سواء ، كما حققت التجارة الدولية فى الخدمات المالية زيادة مطردة خلال عقدى الثمانينات والتسعينات ، لذلك فقد أضحى التعاون فى الخدمات المالية ضرورة ملحة فرضتها الظروف والمصالح الدولية المشتركة ، خاصة وأن دراسات عديدة أجريت فى هذا المجال قد أظهرت أن تحرير التجارة فى الخدمات المالية وإرساء نظام التجارة متعدد الأطراف من شـــأنه ـ الى جانب الإصلاحات الأخرى ـ أن يعزز من فرص زيادة الدخل والنمو ، ومن ثم فقد اتخذ التحرير المالى والمصرفى شكلاً رسميا وتنظيميا فى إطار منظمة التجارة العالمية (WTO) ، حيث تعد الجاتس General Agreement on Trade in Services “ GATS “  أول جهد متعدد الأطراف يستهدف وضع القواعد المنظمة التى تحكم التجارة فى الخدمات المالية حيث انتهت المفاوضات التى تمت تحت مظلتها بتوقيع 70 دولة لاتفاقية تحرير التجارة فى الخدمات المالية وذلك فى 13 ديسمبر 1997 ، وهو مـا يعنى تعميق الاتجاه نحو عولمة الخدمات المالية بما تحمله من مفهوم إزالة التمييز فى المعاملة بين الموردين للخدمات من الأجانب والمحليين ، فضلا عن إعادة تنظيم الخدمات المالية المحلية  بما يضمن رفع جودة المنتجات وتعزيز القدرة التنافسية للموردين المحليين، ويغطى الاتفاق الموقع أكثر من 95% من أنشطة قطاع الخدمات المالية التى تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات 0
        ولاشك أن تحرير تجارة الخدمات المالية على مستوى العالم هو أمر من شأنه تحقيق مكاسب كبيرة للعديد من دول العالم ، فعلى سبيل المثال يتيح الاتفاق للدول النامية فرص نفاذ خدماتها المصرفية الى أسواق الدول المتقدمة ، كذلك الاستفادة من نقل التكنولوجيا المصرفية الحديثة والمتطورة لأسواق الدول النامية وأيضا الاستفادة من الخبرات الأجنبية فى تدريب وتأهيل العمالة الوطنية المصرفية فى أسواق الدول المستوردة للخدمة 0
        بيد أن توزيع تلك المنافع لن يكون بالتساوى على كافة الدول، بل إنه يرتبط بحجم قطاع الخدمات المالية فى كل منها ودرجة مرونته والمزايا النسبية التى يتمتع بها ، وكذلك مدى قدرته على المنافسة مع القطاعات الخارجية المماثلة ، وهو ما يعنى أن القطاع المصرفى فى الدول النامية سيواجه العديد من التحديات والصعوبات من جراء تحرير التجارة فى الخدمات المالية بسبب تواضع إمكانياتها فى مجال الخدمات بصفة عامة وانخفاض كفاءتها وقدرتها التنافسية ، فضلا عن ان معظم هذه الدول مستوردة للخدمات المالية مما سيلقى بمزيد من الأعباء على صانعى السياسة النقدية  والمصرفية خاصة فى ظل غياب السياسات التنظيمية والرقابية المناسبة ، ولعل من أبرز هذه التحديات ما يلى :-
*      أن تحرير تجارة الخدمات المالية يحد من قدرة المؤسسات المصرفية المحلية على الاستمرار فى ظل أداء ضعيف بسبب تأثير عوامل المنافسة على انخفاض ربحيتها، وهو ما يدعوها لمزيد من التطور والتحديث لكافة أنشطتها وخدماتها كضرورة حتمية للاستمرار فى الساحة المصرفية .
*      تعرض البنوك المحلية لمخاطر المنافسة غير المتكافئة من قبل المؤسسات المصرفية الأجنبية بما تتمتع به من قدرات مالية هائلة وخبرات تكنولوجية بالغة التقدم بالإضافة لقواعد رأسمالية ضخمة وهو ما قد يؤدى الى سيطرة تلك المؤسسات على السوق المحلى، مع احتمال إساءة هذه المؤسسات لسيطرتها على السوق مثل تحريك المدخرات الوطنية وفقا لمصلحتها واستخدام النقد الأجنبى فى أغراض المضاربة ، فضلا عن تأثير سياسات البنوك الأجنبية على السياسات الاقتصادية الكلية للدولة ، وهو ما يبرز أهمية قيام السلطات الحكومية بوضع السياسات الملائمة للتصدى لهذه السلبيات .
*      التخوف من قيام البنوك والمؤسسات المصرفية الأجنبية بخدمة القطاعات المربحة فى السوق فقط بما يحمله ذلك من مخاطر عدم وصول الخدمة المصرفية الى قطاعات أوأقاليم معينة .
*      أن تحرير التجارة فى الخدمات المصرفية قد يؤدى لحدوث أزمـات مصرفية ومالية مع احتمال انتقال تأثيرها السلبى الى الجهاز المصرفى فى بلاد أخرى ، مما يطرح بقوة فكرة وضع أنظمة متطورة للإنذار المبكر للأزمات .
*      قد يؤثر تحرير التجارة فى الخدمات المالية والمصرفية بصورة غير مباشرة على الاستقرار المالى للدولة وذلك من خلال زيادة قابلية تدفقات رأس المال للتقلب ، ففى حالة فقدان الثقة أو الأزمات المالية (كما حدث ابان الأزمة الآسيوية عام 1997) يكون هناك اتجاه عام من قبل رؤوس الأموال للنزوح الى الخارج وبالتالى تقويض الاستقرار فى الاقتصاد الكلى والنظام المالى .
*      نظرا لأن الدول النامية لا تتمتع بمزايا نسبية فى تقديم تلك الخدمات ، فإن فتح أسواق الخدمات المالية المحلية للاستيراد من شأنه زيادة العبء على ميزان مدفوعاتها .
        ولاشك أن هذه التحديات يمكن أن تكون بمثابة قوة دفع رئيسية لاتخاذ السبل المناسبة للتغلب عليها والتكيف معها بفاعلية لتعظيم الاستفادة من تحرير الأسواق المالية المحلية أمام المنافسة الأجنبية وتعزيز المقومات التنافسية للبنوك .

ثانيا : متطلبات لجنة بازل Basel II

        استكمالا لما بدأته لجنة بازل منذ عام 1988 لتدعيم الملاءة المالية للبنوك بوضع حد أدنى لمعدل كفاية رأس المال يبلغ 8% شهدت الساحة المصرفية فى السنوات الأخيرة جهودا دؤوبة من قبل اللجنة لوضع صيغة جديدة لمقررات كفاية رأس المال المعروفة بـ Basel II لتحل محل الاتفاق الحالى. الأمـر الذى يشكل تحديا هاما أمام الصناعة المصرفية حيث يتسم الاتفاق الجديد بالشمولية واستخدامه لأساليب قياس بالغة التعقيد تتطلب قدرا من التطور لم يبلغه العديد من البنوك على مستوى العالم .
        ففى حين التزمت نحو 100 دولة بمعدل كفاية رأس المال الذى نص عليه اتفاق عام 1988 إلا ان التطورات الحادة التى شهدتها الساحة المالية خلال عقد التسعينات قد قلصت من فاعليته كوسيلة للتأكد من أن متطلبات رأس المال تتناسب مع المخاطر الحقيقية التى تواجهها البنوك .
        ذلك أن النظام الذى وضعه الإطار الحالى لترجيح الأصول بأوزان المخاطر كان ينجم عنه فى أحسن الأحوال معدل مجمل ومبسط لكفاية رأس المال لا يأخذ فى اعتباره الدرجات المختلفة للمخاطر الائتمانية التى تتناسب مع المشاكل والأوضاع المتباينة للمقترضين كما أنه لا يمنح حوافز ملائمة للبنوك التـى تستخدم تقنيات متقدمة لتخفيض المخاطر. ولهذا كان الاتجاه بجعل شروط الاتفاقية الجديدة Basel II أكثر تعقيدا من الأولى .
        وقد تمثلت بداية هذه التعقيدات فى وضع ثلاثة محاور رئيسية ارتكزت عليها المعايير الجديدة وهى :-
المحور الأول : وضع حد أدنى لمتطلبات رأس المال Minimum Capital Requirements ، والذى يتضمن ثلاثة أساليب مقترحة للتعامل مع مخاطر الائتمان :-
                      * أسلوب قياسى Standardized Approach : يقوم على أساس التقييم الخارجى لمخاطر الائتمان من قبل وكالات التقييم الخارجية0
                      * الأسلوب الأساسى للتقييـــــم الداخلى لمخـــــاطر الائتمــــــان Internal Rating Based Approach (IRB) 0
                      * الأسلوب المتقدم للتقييـــــم الداخلــــى لمخــاطرالائتمــــــــان Advanced Internal Rating Based Approach (A-IRB) 0
المحور الثانى : المراجعة الرقابية لكفاية رأس المال Supervisory Review of Capital Adequacy  0
المحور الثالث : انضباط السوق (الإفصاح) Market Discipline 0
        وهكذا فإن الاتفاق الجديد يفرض قواعد مشددة على البنوك من أجل التوصل الى رقابة داخلية واعية وعالية الكفاءة يدعمها وجود رقابة واسعة النطاق من قبل السلطات الرسمية وسط مناخ يتسم بالشفافية الكاملة ، ومن ثم فإن تطبيقه لن يكون بالأمر اليسير ، وقد يلاقى العديد من البنوك مصاعب كبيرة فى مقابلة متطلبات الاتفاق لاسيما بالنسبة للأجهزة المصرفية بالدول النامية بصفة عامة والدول العربية بصفة خاصة ، حيث يمكن إيجاز بعض تلك التحديات فيما يلى :-
1 ـ     يتسم منهج التقييم الداخلى (IRB) للبنوك الذى تفرضه المعايير الجديدة بالتعقيد وارتفاع التكلفة مما يصعب معه استيعابه وتطبيقه من قبل العديد من البنوك .
2 ـ     من المتوقع ألا يكون لدى البنوك الخبرة والأنظمة وقواعد البيانات اللازمة لتطبيق منهج التقييم الداخلى.
3 ـ     عدم توافر موارد لتغطية الاستثمار فى التكنولوجيا المتطورة وأنظمة إدارة المخاطر وجمع المعلومات حيث تعد تقنيات التحكم فى المخاطر وإدارتها المقترحة فى الاتفاق الجديد قاسية بدرجة كبيرة مما ينبئ بصعوبة الوفاء بها من قبل العديد من البنوك التى تعانى من ضعف الأطر الرقابية وضعف أنظمة المدفوعات والتسوية.
4 ـ     سوف يؤدى منهج التقييم الداخلى الى لجوء معظم البنوك الى الاعتماد على الطريقة القياسية للتصنيفات من قبل وكالات التقييم ومن ثم ستواجه البنوك غير المصنفة ائتمانيا متطلبات لرأس المال أعلى بسبب أوزان المخاطر العالية .
5 ـ     سيعمل عدم اعتياد المنشآت والعملاء على الأخذ بأساليب التقييم المقررة على إلقاء عبء أكبر على رأسمال البنوك نظرا لأن عدم تقييم العملاء سوف يرفع من أوزان مخاطرهم الى 100% على أقل تقدير .
6 ـ     سيشكل النقص فى تقييمات وتصنيفات الأصول بشكل مفصل عائقا أمام الوفاء بمتطلبات بازل الخاصة بالرقابة.
ثالثا :  انتشار عمليات غسيل الأموال  Money Laundering
        تعد عمليات غسيل الأموال من أخطر الجرائم الاقتصادية التى يشهدها عصرنا الحديث ، حيث فرضت هذه الظاهرة نفسها فى مختلف دول العالم ، المتقدم منها والنامى على حد سواء فى ظل التحرر المالى الذى تشهده أسواق المال العالمية.
        وتواصل ظاهرة غسيل الأموال نموها بشكل متزايد مما يهدد الاستقرار الاقتصادى.ويكمن حجم المشكلة فى ضخامة الأموال التى يتم غسلها كل عام والتى تتدفق عبر النظام المالى العالمى ، حيث يقدر حجم الأموال التى يتم غسلها سنوياً من خلال بنوك العالم  بنحو 3 تريليون دولار أى ما يقدر بنحو 5% من اجمالى الناتج العالمى. وقد يكون البنك طرفا أصليا مشاركا فى عمليات غسيل الأموال وتقديم التسهيلات اللازمة لضخ الأموال المشبوهة فى الاقتصاد القومى لاسيما وأن المنافسة العالمية قد ساهمت فى تسهيل نقل هذه الأموال من دولة الى أخرى ، حيث ترحب البنوك بالأموال القادمة اليها رغبة فى جذب الودائع بصرف النظر عن تحرى المشروعية مادامت الأرباح التى ستتحقق طائلة، وقد امتدت هذه الظاهرة أيضا الى سماسرة الأوراق المالية وشركات الصرافة رغبة فى جذب أكبر عدد ممكن من العملاء وما يعنيه ذلك من تحقيق أرباح كبيرة .
        وتتكثف منذ فترة الجهود العالمية لمكافحة عمليات غسيل الأموال ، حيث واصلت مجموعة العمل المالى الدولى Financial Action Task Force (FATF) جهودها من أجل تعزيز المعايير والقواعد الدولية الخاصة بعملية مكافحة غسيل الأموال ، حيث تعمل على حث دول العالم على الالتزام بالمعايير الـ 25 الخاصة بتحديد الدول المتعاونة وغير المتعاونة فى مكافحة عمليات غسيل الأموال ، كما أدخلت هذه المجموعة ثمانية معايير إضافية الى المعايير الـ 40 الموضوعة سابقا والتى تعد ميثاقاً يحكم أساليب مكافحة غسيل الأموال فى كافة أنحاء العالم ، وتختص المعايير الثمانية الجديدة بعملية مكافحة تمويل الارهاب .
        هذا وقد قام مجلس الأمن باصدار بيان بأفراد ومؤسسات يشتبه فيهم فى عمليات غسيل الأموال وتمويل الارهاب ، وتم ارسالها الى الجهات المسئولة بمختلف دول العالم من أجل تجميد أرصدتهم مع اجراء ضغوط قوية على السلطات والمصارف المحلية للتأكد من قيامهم بعمليات التجميد المطلوبة.
رابعا : الثورة التكنولوجية Technological Revolution
        يعد التقدم التكنولوجى من أهم المتغيرات التى ساهمت فى إحداث تحول جذرى فى أنماط العمل المصرفى فى عصر العولمة ، حيث اهتمت البنوك اهتماماً كبيراً بتكثيف الاستفادة من أحدث تقنيات المعلومات والاتصالات والحواسب الآلية وتطويعها بكفاءة عالية بغية ابتكار خدمات مصرفية مستحدثة وتطوير أساليب تقديمها بما يكفل انسياب الخدمات المصرفية من البنوك الى العميل بدقة وسـهولة ويسر ، الأمر الذى يتواءم مع المتطلبات المعاصرة والمتزايدة لمختلف شرائح العملاء من ناحية ويحقق للبنك نمواً مطرداً فى حجم عملياته وأرباحه من ناحية أخرى .
        ولعل من أهم ملامح هذه المنظومة الحديثة هو الانتقال التدريجى من البنوك التقليدية التى لها وجود مادى فى شكل فروع ومعاملات الى البنوك الافتراضية Virtual Banks والتى تعتمد على شبكة الانترنت فى تقديم خدماتها للعملاء وهى ما تسمى Internet Banks لتضيف أبعاداً غير مسبوقة للعمل المصرفى .
        وقد ساعد على هذا الانتشار التطور الهائل فى شبكة الإنترنت ، حيث يتوقع أن يبلغ عدد مستخدميها يومياً أكثر من 500 مليون شخص فى عام 2003 وبمعدلات انتشار عالية تتجاوز نسبة 70% من السكان بالولايات المتحدة ونحو 50% من سكان أوروبا الغربية ، كما يشهد معدل نمو الطلب على الخدمات المالية والمصرفية عبر شبكة الإنترنت نمواً متزايداً ومتسارعاً على مستوى العالم ، وتشير التوقعات الى أنه خلال عام 2003 تبلغ على سبيل المثال نسبة المتعاملين مع بنوك الانترنت نحو 25% من الأوروبيين ، فى حين سيبلغ عدد المستخدمين العرب للخدمات المصرفية عبر الانترنت حوالى 25 مليون شخص فى السنوات القليلة القادمة، الأمر الذى دفع البنوك الى تخصيص ميزانيات ضخمة للإنفاق على تطوير استخدامها  لتقنيات المعلومات الحديثة ، خاصة وأن استثمار البنوك فى تكنولوجيا المعلومات قد أتاح للبعض منها تقديم خدماته فى هذا المجال كأحد الأنشطة الجديدة التى يعتمد عليها فى جنى الأرباح لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من التكاليف الضخمة للاستثمارات التكنولوجية .
        ويعد توسع البنوك فى تقديم خدمات الصيرفة الالكترونية " E-Banking " من أهم ثمار الثورة التكنولوجية فى العصر الحديث ، حيث تنوعت قنوات تقديم الخدمات المصرفية عن بعد Remote Banking Services عن طريق آلات الصراف الآلى ATMs ونقاط البيع الالكترونية Electronic Point of Sale (E.P.O.S)  فضلا عن خدمات البنك المنزلى Home Banking ، البنك المحمول Mobile Banking ، وكذلك التليفزيون الرقمى Interactive Digital Television ، حيث ساهمت هذه القنوات بلاشك فى تحرير العملاء من قيود الزمان والمكان وتوفير الوقت والجهد لعملاء البنوك .
        وبالإضافة لما سبق فقد صاحب هذا التطور الكبير فى الخدمات الإلكترونية وتنامى عمليات التجارة الإلكترونية ، انتشار وسائل الدفع والسداد الإلكترونية مثل بطاقات الائتمان المختلفة Credit Cards والشيكات الإلكترونية Electronic Checks ، والبطاقات الذكية Smart Cards ، فضلا عن ظهور النقود الإلكترونية E-Cash لتيسير عمليات تسوية المدفوعات إلكترونياً .
        ومما لاشك فيه أن تطور ووصول الخدمات المصرفية الإلكترونية لمراحل أكثر تقدماً لهو سلاح ذو حدين ، فعلى الرغم من تأثيره الايجابى على كفاءة التنفيذ والأداء فى البنوك إلا أنه يلقى بمزيد من الأعباء عليها ، لاسيما أن الخدمات المصرفية المقدمة عبر القنوات الإلكترونية المختلفة باتت تهدد الخدمات المقدمة بواسطة الفروع مع تناقص ربحية العمليات المصرفية التقليدية حتى أصبحت العمليات المصرفية التى تتم داخل فروع البنـك لا تتجاوز 10% من اجمالى العمليات وفيما عدا ذلك يتم بواسطة القنوات الإلكترونية المختلفة، خاصة وأن الدراسات تشير الى انخفاض تكلفة تقديم الخدمة المصرفية الإلكترونية عنها فى حالة استخدام الوسائل التقليدية ، إذ تبلغ تكلفة إجراء أى معاملة مصرفية عبر أحد الفروع التقليدية فى المتوسط نحو دولار أمريكى واحد مقارنة بنحو 0.5 دولار بواسطة الهاتف ، 0.2 دولار بواسطة الكمبيوتر الشخصى، إلا أنها عبر الإنترنت تبلغ 0.1 دولار فقط 0 بل من المتوقع أن يحدث مزيد من الانخفاض فى تكلفة خدمات الإنترنت فى الفترة القادمة..قد بات لزاماً على البنوك أن تواجه هذا التحول التكنولوجى بسرعة وكفاءة عالية والعمل على استيعاب أساليب التكنولوجيا المتطورة واقتناء أحدث تطبيقاتها وتطويعها على النحو الأمثل  .
خامسا : تغير هيكل الخدمات المصرفية
        شهدت الأسواق النقدية والمالية العالمية منذ منتصف عقد الثمانينات اتجاها متزايدا نحو التحرر من القيود Deregulation  والتشريعات واللوائح والشكليات والمعوقات التى تحد من التوسع فى عمليات البنوك ، فيما مثل ثورة للتحرير الهيكلى حيث تم فتح مجالات الأنشطة التى لم يكن مسموحاً بها أمام البنوك والمؤسسات المختلفة ، وكذلك رفع القيود أمام فتح الفروع والمكاتب بالإضافة الى إلغاء القيود على الأسعار التى تتقاضاها البنوك والمؤسسات المالية الأخرى سواء أسعار الفائدة أو رسوم الخدمات .
        وقد انعكس هذا المناخ بشكل كبير على أعمال البنوك وهيكل الخدمات التى تقدمها وذلك على النحو التالى :-
1 ـ  حدثت تغيرات هامة فى هيكل ميزانيات البنوك حيث تنوعت مصادر الأموال ومجالات توظيفها فلم يعد المصدر الرئيسى لأرباح البنوك يتحقق من الائتمان المصرفى بل من الأصول الأخرى المدرة للدخل ومن عمليات إدارة الأصول Asset Management Business والعمليات خارج الميزانية Off-balance Sheet ، ومن ناحية أخرى انخفض النصيب النسبى للودائع فى اجمالى خصوم البنوك ، بينما زاد النصيب النسبى للخصوم القابلة للمتاجرة Tradable Liabilities وبخاصة السندات .
2 ـ  أدى دخول البنوك التجارية فى عمليات بنوك الاستثمار الى توسيع دائرة المخاطر التى تواجه أعمالها لتشمل مخاطر السوق بالإضافة للمخاطر الائتمانية مما دفع البنوك لاستحداث أدوات جديدة لإدارة هذه المخاطر .
3 ـ  شهدت البنوك فى معظم دول العالم تغيرات هامة فى مكونات الودائع تمثلت فى اتجاه نسبة الودائع لأجل وودائع التوفير وشهادات الإيداع الى اجمالى الودائع للتزايد بشكل واضح مقابل انخفاض حجم الودائع الجارية ، مما حدا بالبنوك لدفع فوائد على الودائع الجارية ، بالإضافة الى اتجاه البنوك للتعامل بأسعار الفائدة المتغيرة على اختلاف أشكالها، الأمر الذى أدى الى جعل تكلفة مصادر تمويل البنوك بما فيها الودائع أكثر حساسية لتغيرات أسعار الفائدة فى الأسواق، ومن ثم الى التقلب الشديد فى تكاليف وإيرادات البنك وكذلك أرباحه الصافية .
سادسا : الاندماجات المصرفية Bank Mergers
        يعد الاندماج المصرفى هو أحد المتغيرات المصرفية العالمية التى تزايد تأثيرها بقوة، خاصة خلال العقد الماضى مع تسارع وتيرة العولمة والتحرر المالى فى ظل بيئة اقتصادية تنطوى على العديد من المخاطر المرتفعة والمنافسة شديدة الضراوة، ولم تقتصر عمليات الاندماج المصرفى على البنوك والمؤسسات المصرفية المحلية فى نطاق الدولة الواحدة فقط، بل امتدت لتسجل أيضا حالات اندماج مصرفى بين بنوك ومؤسسات مصرفية من دول مختلفة وهو ما يعرف بـ Cross Border Mergers . ويعد الاندماج المصرفى أحد أنجح السبل لمواجهة المنافسة المحتدمة فى الساحة المصرفية العالمية والضغوط التى تعانى منها المصارف فى ظل المستجدات على الساحة المصرفية العالمية بالإضافة الى المشكلات الداخلية المتعلقة بتدنى الربحية وضعف القواعد الرأسمالية ، كما كان لمتطلبات لجنة بازل لمعدل كفاية رأس المال أثره الواضح فى اتجاه البنوك نحو الاندماج لتدعيم قواعدها الرأسمالية. وقد أدت موجة الاندماجات العالمية والإقليمية الى قيام نوع من المصارف كبيرة الحجم القادرة على توفير حزمة متكاملة ومتنوعة من الخدمات والمنتجات المالية والمصرفية والاستثمارية بطرق تكنولوجية متطورة وتكاليف منخفضة ، كما أدت الى الانتقال من مرحلة الإدارة التى تقوم على مركزية القرار الى مرحلة الإدارة التى تركز على تقييم الأداء مع الاهتمام بتعظيم العائد على حقوق الملكية وإرضاء العملاء، لذا يعد تكوين الكيانات المصرفية العملاقة من أهم السمات المعاصرة للعمل المصرفى فى ظل العولمة الاقتصادية  .


العوامل الدافعة لاستقلال محاسبة البنوك كعلم قائم بذاته - مقدمة -

العوامل الدافعة لاستقلال محاسبة
البنوك كعلم قائم بذاته





الدكتور
يوحنا نصحى عطية
دكتوراه الفلسفة فى المحاسبة











مقدمة

كان لانتشار ظاهرة العولمة آثار بعيدة المدى على مختلف الأنشطة الاقتصادية حيث أدت لإعادة  صياغة العلاقات الاقتصادية فى المجتمع الدولى على النحو الذى فرض كثيرا من التحديات لاسيما أمام الأنشطة المالية والمصرفية ، والتى تمثلت اهم ملامحها فى الاتجاه المتزايد نحو التحرر من القيود وإزالة المعوقات التشريعية والتنظيمية التى كانت تحول دون انطلاق الخدمات المصرفية لآفاق أكثر رحابة ، كما يعد التقدم التكنولوجى من أهم العناصر التى ساهمت فى تغيير ملامح الخريطة المصرفية الدولية ، حيث ساهم فى تحول عدد كبير من البنوك الى المعاملات الإلكترونية والتوسع فى استخدام التجارة الإلكترونية وتقديم الخدمات المصرفية المتطورة مما أحدث تغييرا جذريا فى أنماط العمل المصرفى على النحو الذى بات يهدد الشكل التقليدى للبنوك 0 هذا فضلا عن المعايير والقواعد المصرفية والمالية الجديدة للجنة بازل فى مجالى الرقابة المصرفية وكفاية رأس المال والتى تشكل ضغوطا جديدة على البنوك فى مجال تدعيم وتقوية مراكزها المالية ،  نـاهيك عن ظاهرة الاندماجات بين المؤسسات المصرفية والتى أفرزت كيانات مالية عملاقة مما يحمل معه مخاطر مواجهة البنوك الصغيرة للتهميش والإفلاس ، لذا فقد أضحى لزاما على البنوك المصرية مواجهة تلك التحديات باتخاذ الخطوات الملائمة التى تساعدها على الانخراط فى الاقتصاد العالمى والوقوف على قدم المساواة مع البنوك العالمية من خلال إعادة صياغة استراتيجياتها وانتهاج سياسات أكثر تطورا وشمولا بهدف ملاحقة الاتجاهات الابداعية فى العمل المصرفى الدولى وتطوير جودة الخدمة المصرفية ورفع كفاءة الأداء مما يعزز من قدراتها التنافسية على الساحتين المحلية والدولية 0
ولا شك أن هناك عوامل دافعة تحتم استقلال محاسبة البنوك كعلم قائم بذاته فى ظل المتغيرات العالمية
لذا فسوف ينقسم هذا البحث الى قسمين رئيسيين بحيث يشمل كل بحث هذه العوامل التى تدفع الى استقلالية محاسبة البنوك وضرورة بناء اطار مستقل لها :

المبحث الأول
أهم التحديات التى تواجه البنوك فى ظل العولمة

أولا     :       تحرير التجارة فى الخدمات المالية
ثانيا    :       متطلبات لجنة بازل Basel II
ثالثا    :       انتشار عمليات غسيل الأموال Money Laundering
رابعا   :        الثورة التكنولوجية Technological Revolution
خامسا :        تغير هيكل الخدمات المصرفية
سادسا :        الاندماجات المصرفية Bank Mergers

المبحث الثانى
 استراتيجيات عمل البنوك فى مواجهة تحديات العولمة

أولا     :       التوسع فى أنشطة الصيرفة الاستثمارية Investment Banking
ثانيا     :      تقديم أنشطة تمويلية مبتكرة
ثالثا     :      مواكبة المعايير الدولية
رابعا    :       تعميق استخدام التكنولوجيا
خامسا  :       الاندماج المصرفى
سادسا  :       تبنى المفهوم الحديث للتسويق المصرفى

سابعا   :       تنمية الموارد البشرية

Wednesday, August 26, 2015

الفكر المحاسبي التقليدى فى معالجة الاستثمارات قصيرة الأجل ودور المحاسب القانونى فى تحليل وتقييم المنشآت

الفكر المحاسبى التقليدى فى معالجة الاستثمارات قصيرة الأجل ودور المحاسب القانونى فى تحليل وتقييم المنشآت


دكتور
يوحنا نصحى عطية
دكتوراه الفلسفة فى المحاسبة




          تلعب المعلومات المحاسبية دوراً أساسياً فى تحريك وتنمية الاقتصاد الوطنى وتنمية الاستثمارات فى ظل النظم الاقتصادية المختلفة.

 وتزداد أهمية الدور الذى تلعبه المعلومات المحاسبية عندما تنهج الدولة فلسفة الاقتصاد الحر حيث تعتبر هذه المعلومات أحد عناصر البنية التحتية الأساسية التى ترتكز عليها سوق المال.

 ويعتبر سوق المال هو القناة التي يمكن من خلالها تحويل مدخرات الأفراد إلى الاستثمارات فى مشروعات مختلفة تساهم في تنمية الاقتصاد الوطني.

 ويلعب الوسطاء الماليين ووسطاء المعلومات دوراً هاما لتحقيق هذا الغرض. وفى الوقت الذي يهتم فيه الوسطاء الماليين ــ مثل البنوك، وشركات الاستثمار، وصناديق الاستثمار ، وشركات التأمين ــ بتجميع مدخرات  الأفراد والبحث عن فرص استثمارية مناسبة لأغراض اتخاذ قرارات استثمارية مختلفة، فإن وسطاء المعلومات ــ مثل المراجعين ، والمحاسبين القانونيين، والمحللين الماليين، ورجال الصحافة الاقتصادية ــ يهتمون بتوفير معلومات للمستثمرين، وللوسطاء الماليين الذين يمثلونهم، عن جودة الفرص الاستثمارية المختلفة.

 ويلاحظ أن كل من الوسطاء الماليين ووسطاء المعلومات يضيف قيمة بمساعدة المستثمرين فى التمييز بين الفرص الاستثمارية الجيدة والفرص الاستثمارية الرديئة.

          وتلعب التقارير المالية دوراً أساسياً فى قيام كل من الوسطاء الماليين ووسطاء المعلومات بدورهم فى تنمية الاستثمارات وتحريك الاقتصاد الوطنى.

 إذ يضيف وسطاء المعلومات قيمة حقيقية وذلك إما بإضفاء مزيد من الثقة فى القوائم المالية (مثل المراجعين الخارجيين)، أو بتحليل المعلومات التى تتضمنها تلك القوائم (مثل المحاسبين القانونيين الذين يقدمون خدمات  استشارية مختلفة، والمحلليين الماليين).

 ومن ناحية أخرى، يعتمد الوسطاء الماليون والمستثمرون على المعلومات التى توفرها القوائم والتقارير المالية وغيرها من المعلومات فى تحليلهم للفرص الاستثمارية والإختيار من بينها.

          ويجب أن يدرك مستخدمو المعلومات التى توفرها القوائم المالية أن هذه القوائم تتأثر بأنشطة المنشأة وبنظامها المحاسبى.

 ولذلك، فإنه يجب عند تحليل القوائم المالية لأغراض التقييم أن يفهم مستخدمو المعلومات المحاسبية أثر النظام المحاسبى على جودة هذه المعلومات التى تستخدم فى التحليل.

 وهذا يؤكد أهمية الدور الذى يلعبه المحاسبون القانونيون فى تحليل وتقييم المنشآت.

إذ يتوافر للمحاسب القانونى جميع عناصر المعرفة والخبرة التى تمكن من توفير المعلومات المفيدة لأغراض اتخاذ القرارات الإستثمارية الجيدة.

 ويتبع المحاسب القانونى عادة منهجاً علمياً ويستخدم عدداً من الأدوات التى تمكنه من خدمة المستثمرين والوسطاء الماليين بتوفير المعلومات اللازمة لأغراض اتخاذ قرارات استثمارية فى شركات قائمة، أو انشاء مشروعات جديدة، أو لأغراض الإندماج، والاستحواذ، وأيضا لأغراض منح الإئتمان.

 ونبين فيما يلى المنهج الذى يستخدمه المحاسب القانونى عادة عند تحليله وتقييمه لمنشآت الأعمال، والأدوات الرئيسية التى يستخدمها لتحقيق هذا الغرض.

منهج المحاسب القانونى فى تحليل وتقييم الأعمال:

          من المعروف أن مسئولية اعداد القوائم المالية تقع على عاتق إدارة المنشأة. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تضيف الإدارة قيمة للمعلومات التى تتضمنها تلك القوائم، وفى نفس الوقت قد تكون مصدراً أساسيا للتحريف الذى قد يحدث فى المعلومات المحاسبية والذى قد يؤدى إلى عدم تعبيرها عن الوضع الاقتصادى الحقيقى للمنشأة.

 ويجد مستخدمو القوائم المالية عادة صعوبة فى التمييز بين المعلومات الصادقة وتلك المعلومات غير الصادقة مما يدفعهم إلى الاستعانة بالمحاسبين القانونيين وغيرهم من وسطاء المعلومات لتحسين قدرتهم على فهم الأداء المالى للمنشأة وأداءها المتوقع  فى المستقبل.

          ونظراً لأن المحاسبين القانونيين ــ شأنهم فى ذلك شأن غيرهم من الوسطاء فى سوق المال ــ ليست لديهم معلومات كاملة عن المنشأة وما يدور فيها، فإنهم يستخدمون عادة معرفتهم بالصناعة التى تعمل فيها  المنشأة، واستراتيجياتها التنافسية، بجانب خبرتهم فى الأمور المحاسبية، وذلك لتفسير القوائم المالية. وتكون نقطة البداية فى المنهج الذى يستخدمه المحاسب القانونى هى القوائم المالية. ويتميز المحاسب القانونى عن غيره من وسطاء المعلومات بمعرفته الكبيرة وخبرته المهنية التى تمكنه من قراءة وفهم القوائم المالية بطريقة سليمة.

 وتعتبر قراءة وفهم القوائم المالية شرطاً أساسياً لاجراء أى تحليل أو تقييم سليم لمنشآت الأعمال.

          ويتضمن المنهج الذى يتبعه المحاسب القانونى عادة أربع خطوات رئيسية وهى:

1-  تحليل استراتيجية  الأعمال.

2-  التحليل المحاسبى

3- التحليل المالى

4 التحليل المستقبلى التقييمى وتقدير قيمة المنشأة.

ويقوم المحاسب القانونى بهذه الخطوات الأربع سواء كان الغرض هو  التحليل والتقييم لأغراض شراء استثمارات فى الأسهم، أو بغرض الإندماج أو الاستحواذ، أو لأغراض الخصخصة وتحديد قيمة السهم للشركة الجديدة، أو لأغراض منح الإئتمان.

ونتناول فيما يلى كل من هذه الخطوات لبيان الهدف منها، وأهميتها ، وكيفية قيام المحاسب القانونى بها.

أولا: تحليل استراتيجية  الأعمال :

          يقوم أى قرار للأستثمار أو منح الأئتمان على تقدير للعائد المتوقع على الاستثمار ودرجة المخاطرة التى ينطوى عليها. لذلك فإن الخطوة الأولى فى منهج التحليل والتقييم الذى يتبعه المحاسب القانونى تتضمن تحديد محركات الربحية فى المنشأة ومخاطر الأعمال فيها، وتقدير القدرة الربحية للمنشأة. ويكون هذا التقدير عادة على أساس نوعى وليس كميا . ويمكن القيام بذلك بإجراء تحليل للصناعة التى تنتمى إليها المنشأة، وتحليل الاستراتيجية التى تتبعها المنشأة لخلق ميزة تنافسية واستمرار هذه الميزة التنافسية فى المستقبل.

          وكما نعلم جميعا، فإن قيمة المنشأة تتحدد بقدرتها على اكتساب عائد يزيد عن تكلفة الأموال المستثمرة فيها. وبينما تتحدد تكلفة الأموال عن طريق سوق المال، فإن القدرة الربحية المتوقعة للمنشأه تتوقف على الاستراتيجيات التى تختارها وتطبقها بما فى ذلك:

1- اختيار الصناعة التى تعمل فيها المنشأة.

2-اختيار الاستراتيجية التى تنوى  الشركة اتباعها لتحقيق مركز تنافسى فى الصناعة.

3- الطريقة التى تتوقع المنشأة أن تحقق بها التنسيق بين المجالات التى تعمل فيها فى حالة تعددها.

ويمكن للمحاسب القانونى تحليل الصناعة بإجراء تحليل للربحية الممكنة لكل صناعة تتنافس فيها المنشأة. ويمكن استخدام نسبة الأرباح قبل الفوائد والضريبة (إن وجدت) إلى القيمة الدفترية للأصول لهذا الغرض.

ويتوقف متوسط الربحية فى الصناعة عادة على عاملين:

الأول : درجة المنافسة فى الحاضر والمستقبل، وهى تتحدد فى ضوء كل مما يلى:

أ  )  المنافسة الحالية بين الشركات القائمة.

‌ب)  التهديد بدخول منافسين جدد.  

‌ج) التهديد الناتج عن ظهور منتجات جديدة.

الثانى:  القدرة التفاوضية فى سوقى المدخلات والمخرجات. وهى تشمل:

          أ ) القدرة التفاوضية للعملاء.

         ب‌) القدرة التفاوضية للمشترين.

وبالإضافة إلى تحليل الصناعة، فإنه يجب تحليل الاستراتيجيات التى تنهجها المنشأة لتحديد مركزها فى الصناعة. ومن المعروف أنه يمكن للمنشأة تحقيق مركز تنافسى من خلال:

أ )  التمييز فى مجال التكلفة وذلك بتقديم نفس المنتج أو الخدمة ولكن بتكلفة أقل من المنافسين.

ب) التمييز فى المنتج أو الخدمة وذلك بتقديم منتج أو خدمة فريدة ومميزة.

          ويتطلب تحليل استراتيجية التنافس تحديد قدرات الشركة وعوامل النجاح فيها، وتحليل سلسلة القيمة والأنشطة اللازمة لتنفيذ الاستراتيجية، وذلك بالإضافة لتحليل مدى استمرارية الميزة التنافسية.

          وقد تقوم بعض الشركات بتنويع أنشطـتها وذلك بالتنافس فى صناعات مختلفة. وفى هذه الحالة، يجب تحليل الآثار الإقتصادية ــ سواء كانت إيجابية أو سلبية ــ لإدارة مشروعات مختلفة تحت مظلة منشأة واحدة.

ثانيا : التحليل المحاسبى :

          تتمثل الخطوة الثانية فى منهج تحليل وتقييم الأعمال فى القيام بإجراء التحليل المحاسبي بغرض تقييم مدى تعبير القوائم المالية عن حقيقة الوضع الاقتصادي للمنشأة. وتعتبر هذه الخطوة هامة للغاية نظراً لأنها تساعد على زيادة مستوى الثقة فى الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها من التحليل المالى. ويقوم المحاسب القانوني، فى إجرائه للتحليل المحاسبي، بما يلى:

1-     تحديد  السياسات المحاسبية الأساسية:

بعد قيامه بتحليل الاستراتيجية، وتحديد عوامل النجاح ومخاطر الأعمال فى المنشأة، فإنه من المهم تقييم الكيفية التى تمت بها إدارة هذه العوامل والمخاطر. ويساعد التحليل المحاسبى فى تحديد وتقييم السياسات والتقديرات التى تستخدمها المنشأة لقياس عوامل النجاح والمخاطر فيها.

2-  تقدير المرونة فى اختيار السياسات المحاسبية:

من المعروف أنه كلما زادت درجة المرونة فى اختيار السياسات المحاسبية، كلما كانت هناك فرصة أكبر للإدارة لتقوم بإدارة الأرقام التى تظهر فى القوائم المالية. ومثال ذلك المرونة فى اختيار طرق الاستهلاك، ومعالجة خطط المعاشات والتقاعد. وهناك بعض المنشآت التى لا تتوافر لها المرونة فى اختيار السياسات المحاسبية للمحاسبة عن عوامل النجاح فيها لخضوعها لمعايير محاسبية، ومثال ذلك البحوث والتطوير فى شركات الصناعات الدوائية. بينما يوجد بعض المنشآت مثل البنوك والتى يكون لديها مرونة آكبر فى إدارة مخاطر الائتمان ووضع السياسات المحاسبية الخاصة بتقدير الديون المشكوك فيها.

3-     تقييم الاستراتيجية المحاسبية:

إذا كان لدى  المنشأة مرونة محاسبية فإنه يكون لدى الإدارة فرصة الاختيار بين الإفصاح عن أو إخفاء الأداء الحقيقى للمنشأة. ويقوم المحاسب القانونى بتقييم الاستراتيجية المحاسبية وذلك عن طريق:

أ ) التأكد من أن السياسات المحاسبية التى تتبعها المنشأة تتمشى مع ما هو سائد فى الصناعة.

ب‌) تقييم مدى وجود دوافع لدى الإدارة لاستخدام المرونة المالية للتلاعب فى الأرقام المحاسبية.

ج‌) تحديد ما إذا كانت المنشأة قد قامت بتغيير أى من سياساتها أو تقديراتها المحاسبية.

د‌) تقييم مدى واقعية السياسات  والتقديرات المحاسبية التى اتبعتها المنشأة فى الماضى.

هـ) تحديد ما إذا كانت المنشأة تقوم بهيكلة أى عمليات جوهرية لتحقيق أهداف محاسبية معينة.

4-     تقييم جودة الإفصاح:

تعتبر جودة الإفصاح نتيجة طبيعية لجودة المحاسبة فى المنشآة. ويمكن للمحاسب القانونى تقييم جودة الإفصاح فى القوائم المالية عن طريق تقييم مايلى:

أ ) كفاية الإفصاح الذى توفره المنشأة عند التقرير عن استراتيجية  الأعمال وآثارها الاقتصادية.

ب‌) مدى وضوح الإيضاحات فى شرح السياسات المحاسبية الأساسية والافتراضات التى بنيت عليها التقديرات المحاسبية.

ج‌)  كفاية شرح الأداء الحاضر للمنشأة فى تقاريرها  المالية.

د‌)  كفاية الافصاح عن نتائج أعمال الأنشطة القطاعية المختلفة، إن وجدت.

هـ) مدى جودة برنامج علاقات المستثمرين فى الشركة.

5- تحديد مواطن الخطر:

يجب على المحاسب القانونى تحديد ما إذا كانت هناك شكوك فى جودة السياسات والتقديرات المحاسبية. ويمكن أن يستدل فى تحديده لمواطن الخطر فى السياسات والتقديرات المحاسبية بكل مما يلى:

أ ) وجود تغييرات محاسبية غير مبررة، خصوصا لو كان أداء الشركة سيئاً.

‌ب) وجود عمليات لزيادة الأرباح لا يمكن تبريرها.

‌ج) وجود زيادة غير طبيعية فى حسابات العملاء بالمقارنة بالزيادة فى المبيعات.

‌د) وجود زيادة غير طبيعية فى المخزون بالمقارنة بالزيادة فى المبييعات.

هـ) زيادة الفجوة بين أرباح الشركة وتدفقاتها النقدية من الأنشطة التشغيلية.

و )بيع حسابات المدينين مع حق الرجوع.

ز )التخفيض غير المتوقع فى قيم الأصول.

ح) التسويات الكبيرة فى الربع الأخير من السنة.

ك‌) وجود رأى متحفظ للمراجع.

ل‌)التغيير غير المبرر للمراجع.

م‌) العمليات مع أطراف ذوى علاقة.

6-     تعديل الأرقام المحاسبية:

يجب على المحاسب القانونى تنظيف الممارسات المحاسبية وإجراء تعديل فى  الأرقام الواردة فى القوائم المالية قبل استخدامها فى التحليل المالى. إذ يترتب على استخدام قوائم مالية مضللة الوصول إلى استنتاجات غير سليمة بشأن قيمة المنشأة.

          ويقوم المحاسب القانونى بإجراء هذه الخطوات الست على كل من الأصول، والخصوم، وحقوق الملكية،  والإيرادات ، والمصروفات.

ثالثا: التحليل المالى:

          يهدف التحليل المالى إلى تقييم أداء المنشأة مقارنا بأهدافها واستراتيجياتها المحددة. ويتضمن التحليل المالى استخدام تحليل النسب وتحليل التدفق النقدى. ويهدف تحليل النسب إلى تقييم العلاقات بين عناصر القوائم المالية بينما يهدف تحليل التدفق النقدى إلى تقدير السيولة، وتقييم الكيفية التى تدير بها المنشأة تدفقاتها النقدية من الأنشطة التشغيلية والاستثمارية والتمويلية.

          ونظراً لأن قيمة المنشأة تتحدد على أساس ربحيتها ونموها فإنه يجب على المحاسب القانونى أن يتعرف على الوسائل التى يمكن أن تستخدمها الإدارة لتحقيق النمو وتحقيق أهداف الربحية، وذلك بغرض تحديد مدى فاعلية سياسات الشركة فى تحقيق هذه الأهداف. وتتمثل نقطة البداية عادة فى تحديد معدل العائد على حقوق الملكية و مقارنة هذا المعدل مع تكلفة الأموال، وذلك بغرض قياس الربحية الكلية.

          ويتأثر معدل العائد على حقوق الملكية بعاملين هما:

(أ‌)  ربحية تشغيل الأصول ، ويتم قياسها بمعدل العائد على الأصول.

(ب‌) حجم الأصول بالنسبة لحقوق الملكية ( أى الرافعة المالية) ، ويتم قياسها بنسبة الأصول إلى حقوق الملكية.

ويمكن تجزئة ربحية تشغيل الأصول إلى نسبتين هامتين وهما:

( أ ) هامش الربح ويتم قياسه بنسبة صافى الدخل إلى المبيعات.

(ب) معدل دوران الأصول ، ويتم قياسه بنسبة المبيعات إلى الأصول.

          ونظراً لأن ربحية المنشأة ونموها يتوقفان على استراتيجيات المنشأة فى سوق المنتج، والسياسات المتعلقة بالتعامل مع سوق المال، فإن التحليل يجب أن يمتد إلى سياسات المنشأة بشأن إدارة العمليات، (إدارة الإيرادات والمصروفات) وإدارة الاستثمارات (إدارة رأس المال العامل والأصول طويلة الأجل)، والإدارة المالية، وسياسات توزيع الأرباح.

          ويتم تقييم أداء إدارة العمليات باستخدام نسبة مجمل الربح وتحليل المصروفات البيعية والإدارية. ويستخدم المحاسب القانونى معدل دوران صافى الأصول طويلة الأجل، ومعدل دوران الأصول الثابتة لقياس كفاءة إدارة الأصول طويلة الأجل. كما يستخدم مؤشرات رأس المال العامل لقياس كفاءة إدارة رأس المال العامل.

          ولأغراض تقييم فاعلية وكفاءة الإدارة المالية فى الفترة القصيرة يستخدم المحاسب القانونى عادة نسبة التداول، والسيولة السريعة، ونسبة النقدية، ونسبة التدفقات النقدية من العمليات التشغيلية للخصوم المتداولة. بينما يستخدم نسبة الديون  إلى حقوق الملكية ومعدل تغطية الفوائد لتقييم الإدارة المالية فى المدى الطويل.

          ويجب ألا يكتفى المحاسب القانونى بتقييم الربحية، وانما يمتد تحليلة عادة إلى تقييم مدى استمرارية النمو، ويستخدم فى ذلك معدل استمرارية النمو والذى يتم قياسه بضرب معدل العائد على حقوق الملكية فى متمم نسبة توزيعات الأرباح.

          وبالإضافة إلى تحليل النسب يقوم المحاسب القانونى عادة بإجراء تحليل التدفقات النقدية، وذلك بتحليل مكونات قائمة التدفق النقدى ومصادر واستخدامات النقدية فى الماضى والتى تستخدم مع تحليل النسب لوضع تقديرات للأداء المتوقع فى المستقبل.

رابعا : التحليل المستقبلى :

          تعتبر الخطوات الثلاث السابقة ضرورية لأغراض اجراء التحليل المستقبلى والذى يتضمن ركنين أساسيين وهما : التنبؤ، والتقييم. ويقصد بالتنبؤ استخدام المعلومات التى توافرت عن الأداء الماضى فى الخطوات السابقة كأساس للتنبؤ بالأداء المستقبلى للمنشأة. ويتضمن التنبؤ دراسة سلوك نمو المبيعات والأرباح، ثم يلى ذلك التنبؤ بالمبيعات ثم المصروفات والأرباح. ويقوم المحاسب القانونى بعد ذلك بالتنبؤ بعناصر قائمة المركز المالى وبالتدفقات النقدية. ونظرا لأن هذه التقديرات تبنى على إفتراضات فإنه يتعين إجراء تحليل للحساسية وذلك لضمان معقولية الافتراضات التى بنيت عليها تلك التقديرات.

          ويبنى التقييم على النتائج  التى نتوصل إليها فى عملية التنبؤ. ويشتمل التقييم على عنصرين أساسيين وهما:

1-  اختيار مداخل التقييم المناسبة:

ويقوم المحاسب القانونى عادة بإختيار مجموعة من المداخل التى تستخدم لأغراض التقييم. ولعل أكثر المداخل المستخدمة شيوعاً مايلى:

أ )  مدخل التوزيعات المخصومة، والذى تتحدد فيه قيمة المنشأة على أساس القيمة الحالية للتوزيعات المستقبلية.

‌ب) الأرباح فوق العادية المخصومة، وتتحدد فيه قيمة المنشأة بقيمتها الدفترية مضافا إليها القيمة الحالية للأرباح فوق العادية.

‌ج) التقييم على أساس نسب السعر للأرباح وذلك بتطبيق نسبة السعر للأرباح على القيمة المقدرة لأرباح السنة القادمة. ويمكن استخدام نسبة السعر للقيمة الدفترية، ونسبة السعر للمبيعات لتحقيق نفس الغرض.

‌د) تحليل التدفقات النقدية المخصومة.

2- تطبيق المدخل أو المداخل التى يتم اختيارها:

ويتطلب ذلك التنبؤ بالأداء المالى للمنشأة على شكل توزيعات أرباح، والتدفقات النقدية الحرة خلال الفترة المستقبلية المتبقية من عمر المنشأة. ثم تقدير تكلفة الأموال المناسبة لخصم القيم المتنبأ بها. وللتنبؤ بالأداء المستقبلى للمنشأة يبدأ المحاسب القانونى بوضع إفتراضات عن مؤشرات الأداء الأساسية فى الشركة فى ظل فترة زمنية. وتشمل مؤشرات الأداء كل مما يلى:

· معدل نمو المبيعات فى السنة السابقة.

.  نسبة صافى ربح العمليات إلى المبيعات.

· نسبة مصروف الفائدة لصافى الديون.

· نسبة صافى رأس المال العامل للمبيعات.

.  نسبة صافى الأصول التشغيلية طويلة الأجل للمبيعات.

· نسبة صافى الديون لصافى رأس المال العامل.

مع استخدام أرصدة أول السنة لجميع بنود المركز المالى التى تستخدم فى هذه النسب، واستخدام بنود قائمة الدخل عن السنة. وتعتبر هذه النسب الست كافية للتنبؤ بالمركز المالى، وقائمة الدخل، والتدفقات النقدية ، والعائد على حقوق الملكية.
          وتعتبر الخطوات الأربع السابقة بمثابة العناصر الأساسية لمنهج تحليل وتقييم منشآت الأعمال الذى يجب أن يستخدمه المحاسبون القانونيون. ويتسم هذه المنهج بالشمول والدقة، ويمكن من الوصول إلى تقييم أقرب للحقيقة. ويمكن استخدام هذا المنهج لأغراض الإستثمار فى أسهم، وشراء شركة قائمة، أو الاندماج أو الاستحواذ ، أو لأغراض الخصخصة وطرح أسهم لأول مرة للشركة الجديدة. ويساهم المحاسبون القانونيون بذلك فى توفير معلومات ضرورية مفيده لأغراض اتخاذ القرارات الاستثماريه المختلفه. وتساهم تلك المعلومات المفيده والتى تتسم بالجوده فى توجيه تلك القرارات بما يخدم الاقتصاد الوطنى.